الإمبراطورُ الصّغير

هذا الجوّ العليل يعيدُ لي ذكرياتٍ أشبه ما تكونُ ببقايا الحُلم.
لا أزال أذكر كيف كنّا نهربُ صغارًا من جدران المنزل إلى السّطح، نعانقُ النّسمات الباردة قبل أن تودّعنا وترحل ..

يأتي أبي يحملُ في يده كيسًا شفافًا، وما إن نلمح ما بداخله حتّى نهرَع إليه، يجلسُ ونلتفّ متزاحمين في حلقةٍ حوله، ثمّ يفتح الكيس وينثرُ ما بداخله على الأرض.
يجمع والدي القطعَ المعدنيّة الصغيرة ويرتبّها في مجموعات نعرفها جيّدًا، على اليمين يصفّ المسامير الكبيرة، وبجانبها المسامير الصّغيرة، ويرصّ بالقرب منها البراغي، ثم الصّوامِل، حتى تنتهي كلّ القطع إلى مجموعاتها.

يُعيدُ شرحَ قواعد اللعبة التي لا نسأم من تكرار سماعها كلّ مرة.. كلّ مجموعةٍ من هذه المجموعات تمثّل قطعها قيمةً معيّنة، سنلتفت، وسنغمضُ أعيننا، ويقوم أبي بإخفاء القطع الصّغيرة في سطح منزلنا، وعند إشارته، سنتفرّق للبحث عنها.. ينتهي البحث بعد مدّة من الزمن يحددّها أبي، ولا يشترط عند انتهائها أن نكون قد انتهينا من جمع كامل القطع المخبأة.

نعود إلى أبي بغنائمنا لنحصي قيمة ما جمعناه، هذه الحلقة المعدنية المجوّفة في حجم القرش نسمّيها العسكريّ، وهي تعادلُ ثلاثَ نقاط.. وذلك المسمار القصير ندعوه بالجنديّ، ويعادلّ سبعَ نقاط، وهكذا تتوالى القطع في قيمتها اعتمادًا على مجموعتها، تقوم أمي بحساب النقاط التي جمعناها، ومن يحصد أكبر قدر من النقاط هو الفائز.

كانت هناك قطعةُ وحيدة لا تنتمي لأيّ مجموعة، صامولةٌ ضئيلةٌ تكادُ لا تُرى.. كنّا نلقبّها بـ “الامبراطور”.. كانت كلّ القطع تتفاوتُ قيمها تحت العشرة، بينما يعادلُ الامبراطور وحده عشرين نقطة!

كنّا في العادة نُنهي جولاتٍ عديدة من اللعبة دون أن نكتشف الامبراطور، لم يكن من السهل علينا العثور عليه، حين كنا نسمع بالمثل القائل “إبرة في كومة قش” كان يتبادر إلى ذهننا فورًا “الإمبراطور في السّطح”! لم يكن سطح منزلنا كبيرًا، لكن أعيننا الصّغيرة كانت ترى من سطحنا بحرًا، ومن الامبراطور شعرةً!

يضحك والدي حين يلاحظ يأسنا، يطلب منا أن نغلق أعيننا، ثم يخرج الامبراطور الصغير من مخبئه. كان يبتكر له في كلّ مرة مخبئًا جديدًا، أحيانًا يكون واضحًا ومكشوفًا تمامًا أمام أعيننا، لكننا ببساطة نعجز عن رؤيته.. يُمسك أبي بالإمبراطور بين إصبعيه، ويقول: “هذه الأشياء البالغة في الصغر، قد تكون لها قيمةٌ أكبر من كل الأشياء الكبيرة”

كان أخي أيوب هو الفائزُ دومًا في لعبتنا هذه، كان يتمتع بملَكةٍ رياضيّةٍ يستغلّها في حساب أكبر عدد يمكن أن يحصل عليه من نقاط القطع الأخرى دون أن يضيّع وقته في البحث عن الامبراطور.
عكس أخي، لم أكن أهتم بالقطع الأخرى قدر ما كان يسحرني الامبراطور، أبحث فلا أبحث إلا عنه وتتجاوز عيني ما سواه، في كثير من الأحيان لم أكن أنجح، لكنّي لن أستطيع أن أصف لك سعادتي حينما أعثر عليه أخيرًا!

ثمّة شيء كان يلهمني في الامبراطور الصغير..
كبُرنا، تعددّت وسائل التسلية ولم نعد نلعب تلك اللعبة مجددًا،
لكن صدّقني عندما أقول لك أن شعور البحث عن ذلك الامبراطور ظلّ ملازمًا لي،
لا زلت أبحثُ عن امبراطور صغير يختبئ بداخلي.

Advertisements

بين أبي بكرٍ وعُمر

قد كنتُ مؤخرًا في ضِيقةٍ من الأحكامِ المُطلقة والمحدّدة التي تطغى على فِكرنا في مجتمعاتنا الحاضرة
تلك الأحكامُ التي تفرضُ علينا نمطًا واحدًا، من ضلّ عنه فقد هوى عن الصّراطَ المُستقيم في جهنّم وبئس المَصير
هداني الله إلى كتابِ عبقريّة الصدّيق لأجدَ فيهِ البلسمَ الشّافي لما كنتُ أضيقُ منه.
ولم أكن أبحثُ عنه حين بدأتُ قراءته، فالحمدُ للهِ أن هداني إليه، حمدًا كثيرًا طيّبًا مُباركًا فيه.

هُنا مجموعُ متفرّق من الكتاب ليسَ بمتّصل، لإيجاز المعنى :

كان أبو بكر نموذج الاقتداء في صدر الإسلام غير مدافع،
وكان عمر في تلك الفترة نموذج الاجتهاد دون مراء.

كلاهما كان يحبّ النبي ويطيعه ويحرص على سنته ويعجب به غاية ما في وُسعه من إعجاب.. ولكنهما في ذلك طريقان يتوازيان، وإن كانا لا يتناقضان ولا يتحادّان..
فأبو بكر كان يُعجب بمُحمّد النبي، وعمر كان يُعجب بالنّبي مُحمّد

ونزيد القول إيضاحًا فنقول:
إنّ حبّ أبي بكر لشخص مُحمد هو الذي هداه إلى الإيمان بنبوّته وتصديق وحيه
وإن اقتناع عُمر بنبوّة مُحمد هو الذي هداه إلى حبه والولاء له والحرص على سنته ورضاه.

فليست المقابلة بين هذين الرجلين العظيمين مقابلة بين قوة وضعف، وقدرة وعجز عن قدرة
بل هو بين قوةٍ من نوع، وقوةٍ من نوع آخر. ولا محلّ للضعف في الموازنة بينهما.

وإن العقيدة التي تتسع لهذين الرّجلين ولهذين الخُلقين ولهذين العقلين،
ثمّ يكون كلاهما إمامًا فيها عظيمًا في اتّباعها، لهي عقيدةُ تتّسع للكثير!

رحِم اللهُ العقّاد ورضى عنه وأكرَمهُ في جنّته بين من أحبّهم ، نبيّه وصحبهِ رضوانُه عليهم أجمعين.

نورٌ في الدّرب المُظلم .

منذ أيّآمي الأولى ، منذ طفولتي الباهتة في ذكرياتي ..

كنتُ أرفع عينيّ لأجدَ ظلالًا  عديدةً تحيطُ بي من كلّ جانب
كنتُ أديرهما ذاتَ اليمين وذاتَ الشّمال لأجدَ ألف ذراعٍ وذراع تمتدّ إليّ مرحّبةً بقبضتي
حتى عندما كنتُ أسدلهما أرى صورهُم تطوف في مخيّلتي تبثّ في قلبي شعورًا بالأمان!

دومًا كان هناك من أديرُ بصري إلى ناحيته فأقتبسُ  من نوره ما يهديني في درب الحياةِ المُظلم
في الحقيقة كانت الأنوارُ تملأ المكان ، كانت الصعوبة تكمنُ فقط في الاختيار من بينها..
لكني سرعان ما اعتدت أن  أميّز النور القويّ عن النّور الخافت، عن النّور الذي لن يلبث وينطفئ
لم أجد صعوبةً كبرى في طبع النّماذج المنيرة في مخيّلتي ..
حتى بتّ أستشعرُها عن بُعد  ، وألحقُ بخطواتها أينَ ما خطَت حتى لا أتيه عنها
الدّرب الشاقّ غدا سهلًا  بتلك المراجع التي أهتدي إليها
تلكَ الرّاحة التي تغمرنا عندما نكون مجرّد تابعين لخطى آخرين
لا نضطر إلى التنقيب من جديد أو الغوص في ظلماتٍ لم تُنر بعد

قد كان كلّ ذلك إلى عهدٍ  قريب ..

كلّما ازدادت الأشواط التي قطعتها كلما اتضّح لي أكثر زيفُ  بريق كثيرٍ من تلك الأنوار
كم كانت الأنوارُ خدّاعة ، وكم كانت عيني كليلةً عن ضعفها وتحوّلها في تبدّل الظروف
بتّ أشعرُ أن مجال رؤيتي يتّسع مع مرور الزّمن، حتى لكأنني ألمحُ الأنوار من أعلى.. تبهتُ وتخفت في الظّلام الشّاسع
أصبحتُ أكثر فأكثر أبصرُ بنور عينيّ ما تعجز تلك الأنوار التي كانت مرجعي عن رؤيته ..
كلّ تلك المراجع والنماذج التي أطّرتها في ذاكرتي قد هُشّمت
لم يعد هناك مرجعٌ سواي ..

إنني الآن أسدلُ  عينيّ فلا تكشفُ لي أستارُ مخيّلتي إلا ظلّي، يسيرُ وحيدًا بينما ألاحقه
إنني أديرُهما ذات اليمين وذات الشمال فلا أبصرُ سوى ذراعيّ الممتدان إلى السماء
إنني أرفعهما فلا ألمح أبعد من أناملي المرتفعة .. تناشدك يا الله!

مرّت فترةٌ  لم أعد أذكر من بعدها شعورَ الرّاحة في التبعيّة
كيف أرتاحُ وأنا أشقّ طريقي دون أن ألتفت إلى آثار من قبلي ..
لن يغمض لي جفنٌ  وأنا أحترسُ وأرقب آثار أقدامي الوحيدة في الظلام ..

يا رب ،
ضلّ الباقون وأنت الهادي ..
فكن أنت النّور يا الله ..

مَوئلُ البُطُولات .

مقالةٌ شدّتني للشيخ محمّد الغزالي رحمهُ الله في كتابه القيْم “عقيدةُ المُسلم” ..

وصفهُ للعظماءِ في عزلة أغلبيتهم وبعدهم عن النّاس يلامس الواقع بشفافيّة تامّة..
وممّا يثيرُ تعجّبي أن الكثير أصبح يتصوّر تلك العُزلة الاجتماعيّة سمةً للعبقريّة
إلى حدّ أن بات في تصوّرهم أن كلّ من كان ليّن الجانب ودودَ العشرة يفتقرُ حتمًا إلى النّبوغ والموهبة!
فكأنّهم نسوا أو تناسوا أن العزلة والجفاء نقصٌ مخلٌ في شخصيّة حامِلها سواءً كان عظيمًا أم حقير الشأن!

* كذلك كان محمدٌ صلّى الله عليه وسلّم مع صحابته، يأوون من نفسهِ الكبيرةِ إلى كنفٍ رحيم.

خِداعٌ “بصيريّ” ..

“أبعاد وقياسات الصور في المرآة غير حقيقية”
تلك المرآة الجانبيّة للسيّارة تشبهُ إلى حدٍ كبير تلكَ المرآةَ الخفيّة في أرواحنا
كم تُعطي أبعادًا غيرَ عادلة لمختلف المواقفِ التي تعكس صُوَرها بداخلنا ..
لطالما قامت بتضخيمِ تلك القياسات لتبدو مُبجلةً أكثر ممّا تستحق ،
ولطالما قامت بتقليص تلك القياسات لتحقّر ما كانَ لهُ شأنٌ أسمى
تِلكَ المرآةُ تعبثُ بها أهواؤُنا كما تُحب ، وكما نُريد..
ولا نُدرك غالبًا مقدارَ زيفِ انعكاساتها على شبكيّة عقولنا !

– ١/١١/٢٠١١ –

طـريـقُ النّـجـوم ..

 

[ 1 ]

أعناهُ الطريق ، وكست وجهَهُ ملامحُ الإرهاق
ظلماتُ الليلِ الدائم تجعلهُ يتخبط في المسير
وأحراشٌ وأشواكٌ تدمي قدميه كل ما تقدم سعيه
طولُ الطريق جعلَ عدّ الأمتار التي قطعها صعبًا
فأصبحت المسافةُ في طريقه تقاسُ بالأشواك ،
كلما أحس بوخزة أدرك أنه اجتاز شوكةً عن مكانه السابق!
لا يسمعُ سوى صوتِ السباع تعوي تحذره مما سيؤول حاله إليه
و صدى صوتِ الحسّاد والسفهاء يحاول ثنيه عن إكمال سعيه
لقد قالوا أنه لم يسلك ناجٍ هذا الطريق ..
كان صدى أصواتهم يجعله يفكر بالعودة ،
لكن كلما أتى هذا الخاطر إليه يرفع بصره ليرى النجوم
تبتسم النجومُ بتشجيع وكأنها تدعوه إليها
تنبئه ببعض ما سيلاقي إن وصل إلى نهاية الطريق
فيغلق ُ حسّ أذنيه ، ويكمل سعيه رافعًا بصره
لم تكن تلك المعوقات لتثبطه أو لتثنيه
لقد اختار طريقَ النجاح ..
وسيصمد حتى يصل لما يريد !

[ 2 ]

نورٌ يبددّ ظلمات الليل ِ يتسلل إلى عينيه
صيحات فرحٍ وإعجاب ، وورودٌ يلقونها أمامه
احتفالٌ هزّ المكان أتى إليه جميع من يعرف ولم يعرف
هذه نهايةُ الطريق ، لقد نجح!
هاهم الحسّاد والأصدقاء والأهل يهنئونه
يعترفون بأنهم لم يعتقدوا أبدًا بأنه سيصمد حتى ينجح
وهاهم كبارُ الشخصيات يزفون إليه، فقد أصبح منهم!
يتحسس قدميه وجسده ليتأكد من وخزات الأشواك
لا زالت آثارها موجودة لكنّه لا يشعرُ بألمها
كل ما يشعر به هو لذة النصر تحتويه ويحتويها ..
لقد تحققت نبوءة النجوم ! ولكن أين النجوم ؟!
رفع عينيه يبحث عن رفيقة دربه فلم يجدها
لقد حلّت محلّها شمسٌ تبعث البهجة في النفوس
لكن ليست الشمسُ ولا غيرها تنسيه فضل النجوم
مدّ بصره إلى الأفق البعيد، فأبصرها بعيدًا
كانت ابتسامتها خافتة وبعيدةً تهنئه وتودعه
كانت فوق طريق مظلم ، تلتف على بوابته أشجار شوك
سألهم عنه فتجهم وجههم وتبعرت كلماتهم
لقد قالوا أنه لم يسلك ناجٍ هذا الطريق
قلّب بصره بين ما هو فيه من فرح ، وبين النجوم البعيدة
لقد حان الوقت ليختار ..

[ 3 ]

رحلتِ الشمسُ ..
وتحولت صيحات الإعجاب إلى صرخات استنكار
تفرقّ الحضور فرحل أغلبهم وهم ينعتونه بالجنون
وبقي القليل يحاول أن يثنيه
وصفوا له ما سيحويه الطريق من معوقات
لقد قالوا أن الطريق أصعب من طريقه الذي نجح في إكماله
لقد قالوا أن كل من حاول سلكه قبله قد عاد قبل أن يكمل نصفه
لقد قالوا أنه لم يسلك ناجٍ هذا الطريق !
فأغلق حسّ أذنيه ، ورفع بصره للأعلى
كانت النجوم تبتسم ابتسامتها المعهودة
ابتسامتها التي أدمن على رفقتها
فابتسم بدوره لها ..
لقد أدرك حقيقة ما لم يدركوه ،
لم تكن تلك المعوقات لتثبطه أو لتثنيه
لقد اختار طريقَ النجوم
وسيصمدُ حتى يصل لما يريد !

– ١/٤/٢٠١٠ –

نورٌ على نورْ ..

منذُ إذ خُلقنا من طينٍ في موطن السماء ،
تحمّلت أنفسنا الجمع بين الدنوّ والعلوّ في كيانٍ واحد
ولأن السّماء تتطلّب كمالًا خاصًا بها،
خالصًا من آثار الطّين التي أُركست بأعماقنا
توجّب علينا نحن أن نصّفي أرواحنا من شوائب الأرض
كلما أزحنا عن سطحها عوالق الطّين سطع من خلفها نورّ سمائيّ
تُجذب خيوط الضوء تلك لموطنها بالأعلى،
حتى إذا ما تكاثفت جميعها جذبتنا بقوّتها نحو السماء
فهناك فقط، نسلمُ من آثار الطّين الدنيّة فينا
وحينئذٍ فقط، يشرقُ الكون بأنوارٍ على أنوارٍ ،

ويهدي الله لنورهِ من يشاء..

– ٢٢/٨/٢٠١٢ –