علاجُ الهَوى

ذقتُ الهوى مُرًا ولم أذقِ الهوى … يا ربّ حُلوًا قبلَ أن أهواكَ
– إبراهيم بديوي

قرأتُ اليوم في كتاب “جدّد حياتك” للشيخ محمّد الغزالي رحمهُ الله تعالى، مقتطفًا نقلهُ عن ابن القيّم في بابِ (نقاءِ السرّ والعلانية)،
وهو كما يقولُ الشّيخ محمّد : طرائقُ للريّاضة النفسيّة تعدّ من أبدع الدساتير في عالم الأخلاق، وهي نقاطٌ يُوصَى بملاحظتها مدمنو الشهوات، فهي كفيلةُ بتخليص أسير الهوى من براثن الشيطان – بإذن الله- عندما يغريه بمواقعة المعصية..

واحدةٌ وعشرون نقطةً استوقفتني، أخذتُ أعيد قراءتها سرًا ثم جَهرًا حتى تستقرّ في معين ذاكرتي، وحتى تتشرّبها روحيَ العليلةُ من الأهواء..
فعلًا، كم نحنُ في أشدّ الحوج إلى تهذيب أرواحنا قبل أبداننا، وإلى تمشيط عيوبنا الباطنة قبل الظاهرة، فإن المشكلة ليست في سوء إدراكٍ وإنّما ضعُغت الهِممُ لأن تروّض سرائرها ، ومحاسبةُ النّفس سرًا هي رياضةٌ لها، كما يكونُ الحِسابُ رياضةً للعقل.

اقتباسًا:


الأول: عزيمةُ حرًّ يغارُ لنفسهِ وعليها.

الثّاني: جُرعةُ صبرٍ يَحمِلُ نفسهُ على مرارتها ساعةَ الإغراء.

الثالث: قوّة نفسٍ تشجّعه على شُرب تلكَ الجُرعة، والشّجاعةُ كلّها صبرُ سَاعةٍ، وخيرُ العَيش ما أدركهُ العبدُ ببصره.

الرابع: مُلاحظةُ حُسن موقعِ العاقبة، والشّفاء بتلك الجرعة.

الخامس: مُلاحظته أنّ ما ينشأ عن الهوى من ألمٍ أشدّ مما يحسّه المرءُ من لذّة.

السّادس: إبقاؤه على منزلته عندَ اللهِ تعالى، وفي قلوبِ عباده، وهوَ خيرُ وأنفع لهُ من لذّة مرافقةِ الهوى.

السّابع: إيثارُ لذّة العفّةِ وعِزّتها وحلاوتها على لذّة المعصية.

الثامن: فرحُهُ بغلبَةِ عدوّه، وقهرهِ لهُ، وردّهِ خائبًا بغيظهِ وغمّهِ وهمّهِ؛ حيثُ لم ينلْ أُمنيتهُ.

التّاسع: التفكيرُ في أنّه لم يُخلق لهَوى، وإنّما هُيّىَ  لأمرٍ عظيمٍ لا ينالهُ إلا بمعصيةِ الهَوى.

العاشر: أن يكرهَ لنفسِه أن يكون الحيوانُ البهيمُ أحسنَ حالًا  منهُ؛ فإنّ الحيوانَ يُميّزُ بطبعهِ بينَ مواقعِ ما يضرّهُ وما ينفعهُ فيؤثرُ النّافعَ على الضّار، والإنسانُ أُعطيَ العقلَ لهذا المعنى.

الحادي عشر: أن يسيرَ بفكرهِ في عواقبِ الهَوى، فيتأمّل كم أفاتت عليهِ معصيتهُ من فضيلة، وكم أوقعتهُ في رذيلة، وكم أكلةٍ منعَت أكلاتٍ، وكم من لذّةٍ فوّتت لذّاتٍ، وكم من شَهوةٍ كسَرت جاهًا، ونكّست رأسًا، وقبّحت ذِكرًا، وأورَثَت ذَمًّا، وألزمَت عارًا لا يغسلهُ الماء، غيرَ أنّ عينَ الهَوى عَمْياء!

الثّاني عشر: أن يتصوّرَ العاقلُ انقضاء غرضهِ ممّن يهواه، ثم يتصوّرُ حالَهُ بعدَ قضاءِ الوطَر، وما فاتَهُ وما حصَل لهُ.

الثّالث عشر: أن يتصوّرَ ذلك في غيرهِ حقّ التصوُّرِ، ثمّ يُنزِلُ نفسَهُ تلكَ المنزِلةَ، فَحُكمُ الشّيءِ حُكمُ نظيرِهِ.

الرّابع عشر: أن يتفكّر فيما تطالِبهُ بهِ نفسُه من ذلك، ويسألُ عَنهُ عَقلهُ ودِينَهُ يُخبرانِه بأنّهُ ليسَ بِشَيء.

الخامس عشر: أن يأنفَ لنفسِه من ذُلّ طاعةِ الهَوى، فإنّهُ ما أطاعَ أحدٌ الهَوى إلّا  وَجَدَ في نفسِه ذُلًّا ، ولا يغترّ بِصَوْلةِ أتباعِ الهَوى وكِبْرهِم، فهم أذلُّ النُاسِ بَواطِنَ، قد جمعُوا بَين  الكِبْرِ والذُلّ.

السّادس عشر: أن يُوازِنَ بين سَلامةِ الدّينِ والعِرْضِ والمالِ والجَاهِ، وبَين نيلِ اللذّةِ المَطلوبةِ، فإنّهُ لا يَجِدُ بينَهُما نِسبَةً البتّة، فليَعلم أنّهُ من أسْفهِ النّاسِ بِبَيعةِ هَذا بِهَذا.

السّابع عشر: أن يأنفَ لنفسهِ أن يَكُونَ تحتَ قَهرِ عدُوّهِ، فإنّ الشّيطانَ إذا رأى من العَبدِ ضعفَ عَزيمةٍ، وسُقوطَ هِمّةٍ، ومَيْلًا  إلى هَواه، طَمعَ فيهِ وصرَعهُ وألجَمهُ بِلجَامِ  الهَوى وساقَهُ حيثُ أرَاد. ومتى أحسَّ  مِنهُ بقوّة عَزمٍ وشَرفِ نَفسٍ، وعُلُوّ هِمّةٍ، لم يَطمعْ فيهِ إلّا  اختلاسًا وسَرِقة.

الثّامن عشر: أن يعلمَ أنّ الهَوى ما خالطَ شَيئًا إلّا  أفسَدَه. فإن وقعَ في العلمِ أخرَجهُ إلى البِدْعةِ والضّلالةِ، وصَارَ صَاحبُه من جُملةِ أهلِ الأهْواء. وإن وقعَ في الزُّهدِ أخرجَ صاحبه إلى الرّياء ومُخالفةِ السّنة. وإن وقعَ في الحُكم أخرجَ صاحبَه إلى الظّلم وصَدّهُ عن الحَقّ. وإن وقعَ  في القِسْمةِ خرَجَت عن قِسْمَةِ العدلِ إلى قِسْمَةِ الجورِ. وإن وقعَ في الوَلَايةِ والعَزلِ أخرجَ صاحبَه إلى خيانةِ اللهِ والمُسلمينَ حيثُ يُولّي بهَواهُ ويَعزِلُ بهَواهُ. وإن وقعَ في العبادةِ خرَجَت عن أن تكونَ طَاعةً وقُربةً، فما قارَن الهَوى شيئًا إلّا  أفسَدَه.

التّاسع عشر: أن يعلمَ أنّ الشيطانَ ليسَ لهُ مدخلٌ على ابنِ آدمَ  إلّا من بابِ هَواهُ، فإنّهُ يَطيفُ بهِ لِيعرفَ أين يدخلُ عليهِ حتّى يفسِدَ قلبهُ وأعمالهُ، فلا يَجدُ مَدخلًا إلّا  من بَابِ الهَوى، فيَسْرِي مِنهُ سَرَيانَ السُمّ في الأعضَاءِ.

العشرون: أن يتذكّر أن مُخالفةَ الهَوى تُورثُ العَبدَ قوّةً في بدنِه وقوّةً في لسانِه. وأنّ أغزر النّاسِ مُروءةً أشدّهم مُخالفةً لهَواهُ. وأنّهُ ما من يومٍ إلا والهَوى والعقلُ يَعتلِجَانِ، فأيّهما قَويٌّ على صاحبهِ طردهُ وتحكَّمَ وكانَ الحكمُ لهُ. وأنّ اللهَ سُبحانهُ جعلَ الخَطأَ واتّباع الهَوى قَرينَيْن وجعلَ الصّوابَ ومُخالفة الهَوى قَرينَيْن.

الواحد والعشرون: أن يعرفَ أنّ الهَوى تخليطٌ ومخالفتهُ حِمْيَةٌ، وأنّه يُخَافُ  على من أفرطَ في التّخليطِ وجانبَ الحِمْيَةَ أن يصرعَهُ دَاؤُهُ. وأنّ الهَوى رِقٌّ في القَلب، وغُلٌّ في العُنق، وقَيْدٌ فِي الرّجل، ومُتابِعُهُ أسِيرٌ، فمن خالفهُ عَتَقَ من رِقّهِ وصارَ حُرًّا، وخلعَ الغُلَّ من عُنقهِ، والقَيْدَ من رِجلِه، واستطاعَ مُسايرةَ الصّالحِين.

اللهمّ أخْرِج هَوى الدُنيا من قلُوبِنا، وأبدلِنا بهِ حُبًا لجَنّتك و تَوْقًا..
اللهمّ ارحمَ عبديكَ الفقيرين إليك: الغزاليّ وابن القيّم، وجازهِم عنّي وعن قارئي خيرَ جزاءٍ،
ربّنا اغفِر لنَا ولإخواننا الّذين سبقُونا بالإيمان ولا تجْعل في قلُوبنا غِلًّا  للذينَ آمنوا.

الإمبراطورُ الصّغير

هذا الجوّ العليل يعيدُ لي ذكرياتٍ أشبه ما تكونُ ببقايا الحُلم.
لا أزال أذكر كيف كنّا نهربُ صغارًا من جدران المنزل إلى السّطح، نعانقُ النّسمات الباردة قبل أن تودّعنا وترحل ..

يأتي أبي يحملُ في يده كيسًا شفافًا، وما إن نلمح ما بداخله حتّى نهرَع إليه، يجلسُ ونلتفّ متزاحمين في حلقةٍ حوله، ثمّ يفتح الكيس وينثرُ ما بداخله على الأرض.
يجمع والدي القطعَ المعدنيّة الصغيرة ويرتبّها في مجموعات نعرفها جيّدًا، على اليمين يصفّ المسامير الكبيرة، وبجانبها المسامير الصّغيرة، ويرصّ بالقرب منها البراغي، ثم الصّوامِل، حتى تنتهي كلّ القطع إلى مجموعاتها.

يُعيدُ شرحَ قواعد اللعبة التي لا نسأم من تكرار سماعها كلّ مرة.. كلّ مجموعةٍ من هذه المجموعات تمثّل قطعها قيمةً معيّنة، سنلتفت، وسنغمضُ أعيننا، ويقوم أبي بإخفاء القطع الصّغيرة في سطح منزلنا، وعند إشارته، سنتفرّق للبحث عنها.. ينتهي البحث بعد مدّة من الزمن يحددّها أبي، ولا يشترط عند انتهائها أن نكون قد انتهينا من جمع كامل القطع المخبأة.

نعود إلى أبي بغنائمنا لنحصي قيمة ما جمعناه، هذه الحلقة المعدنية المجوّفة في حجم القرش نسمّيها العسكريّ، وهي تعادلُ ثلاثَ نقاط.. وذلك المسمار القصير ندعوه بالجنديّ، ويعادلّ سبعَ نقاط، وهكذا تتوالى القطع في قيمتها اعتمادًا على مجموعتها، تقوم أمي بحساب النقاط التي جمعناها، ومن يحصد أكبر قدر من النقاط هو الفائز.

كانت هناك قطعةُ وحيدة لا تنتمي لأيّ مجموعة، صامولةٌ ضئيلةٌ تكادُ لا تُرى.. كنّا نلقبّها بـ “الامبراطور”.. كانت كلّ القطع تتفاوتُ قيمها تحت العشرة، بينما يعادلُ الامبراطور وحده عشرين نقطة!

كنّا في العادة نُنهي جولاتٍ عديدة من اللعبة دون أن نكتشف الامبراطور، لم يكن من السهل علينا العثور عليه، حين كنا نسمع بالمثل القائل “إبرة في كومة قش” كان يتبادر إلى ذهننا فورًا “الإمبراطور في السّطح”! لم يكن سطح منزلنا كبيرًا، لكن أعيننا الصّغيرة كانت ترى من سطحنا بحرًا، ومن الامبراطور شعرةً!

يضحك والدي حين يلاحظ يأسنا، يطلب منا أن نغلق أعيننا، ثم يخرج الامبراطور الصغير من مخبئه. كان يبتكر له في كلّ مرة مخبئًا جديدًا، أحيانًا يكون واضحًا ومكشوفًا تمامًا أمام أعيننا، لكننا ببساطة نعجز عن رؤيته.. يُمسك أبي بالإمبراطور بين إصبعيه، ويقول: “هذه الأشياء البالغة في الصغر، قد تكون لها قيمةٌ أكبر من كل الأشياء الكبيرة”

كان أخي أيوب هو الفائزُ دومًا في لعبتنا هذه، كان يتمتع بملَكةٍ رياضيّةٍ يستغلّها في حساب أكبر عدد يمكن أن يحصل عليه من نقاط القطع الأخرى دون أن يضيّع وقته في البحث عن الامبراطور.
عكس أخي، لم أكن أهتم بالقطع الأخرى قدر ما كان يسحرني الامبراطور، أبحث فلا أبحث إلا عنه وتتجاوز عيني ما سواه، في كثير من الأحيان لم أكن أنجح، لكنّي لن أستطيع أن أصف لك سعادتي حينما أعثر عليه أخيرًا!

ثمّة شيء كان يلهمني في الامبراطور الصغير..
كبُرنا، تعددّت وسائل التسلية ولم نعد نلعب تلك اللعبة مجددًا،
لكن صدّقني عندما أقول لك أن شعور البحث عن ذلك الامبراطور ظلّ ملازمًا لي،
لا زلت أبحثُ عن امبراطور صغير يختبئ بداخلي.