ما الذي غيّرك؟

ما الذي غيّرك؟

سأتجاوز رغبتي الملحة المعتادة في وضع تبرير في مقدمة كلّ تدوينة جديدة أكتبها، وكأن الكتابة تصبح -مع مرور الوقت- بالنسبة إلي ذنبًا يتوجب تبريره على النفس قبل الخوض فيه..

ما الذي غيّرك؟
هذا السؤال الملحّ الذي لا يحتاج إلى نطق صريح ولا حتى إلى تلميح ذكي حتى يعلن عن نفسه بين الكلمات وخلف النظرات وحتى تحت الصّمت المطبق.
يكفي أن يشيح عنك بصرُ مُحبّ قريب لتسمع نبرة العتب في سكونه، ثم يكفي أن يصفق لك من كان شامتًا بك بالأمس لتلمح السخرية على ابتسامة فكه المائل، يوادّك الغرباء على حين غرّة ويجافيك الأقربون، كلّهم ينطق عنهم ذلك السؤال دون استئذان: ما الذي غيرك؟

كانت فاطمة قبل سنوات تقول حينما يحلو لها التفلسف: “نحن نتغير كل يوم تغيرا لا يكاد يُرى، حتى إذا مرت الأيام وألقينا نظرة إلى الوراء أدركنا حجم التغيير الكبير الذي حصل”. أعترف أنني تغيّرت، لكنني لن أدّعي المثالية هنا ولن أقدم الإجابة المخبوزة الجاهزة التي كنت أتأبطها قبل سنوات: “مرحبًا بالتغيير ما دمنا نتغير نحو الأفضل”.. وربّما هذا بالذات شيء من التغيير الذي حصل، أنني لم أعد على ثقة من أن التغيّر مطلقًا يكون للأفضل أو للأسوأ.. نعم نحن نتغير كل يوم، لكن جزءًا منا لا نراه أيضًا قد يرفض هذا التغيير، وقد لا نحتاج إلى مرور العديد من الأيام حتى نشعر بأثر تلك المعارك على أرواحنا، ولن نحتاج إلى التوقف والنظر إلى الوراء من أجل أن ندرك كم نحن منهكون من الداخل، وأن الرؤية قد أصبحت ضبابيّة..

ما الذي غيّرك؟
أليس من الأولى أن يكون السؤال أولًا عن ماهيّة التغيير الذي حصل؟ إلى أي حد وقع مثلًا، وهل يمكن قياسه والتعبير عنه؟
هل نتغيّر كدرجات الحرارة خلال اليوم، نرتقي ونهبط؟ أم أن التغيّر دوراني بحت، يدور حول نقطة مركزية فلا يتغير فينا سوى زاوية وقوفنا، بينما تبقى المسافة واحدة؟
ربّما إذا عرفت المزيد عن التغيير لأصبح بإمكاني أن أحاول تحديد السبب في حصوله.. لكن المعطيات بها كثير من النقص والقصور.. فكيف تريدني أن أحدد سبب تغيّر موضعي عن موضعك، ما دمنا لا زلنا نجهل شكل المساحة التي نقف عليها؟

ما الذي غيّرك؟
وسأتغيّر، وحتى أجد إجابة كافية لكلّ من يرميني بالسؤال -بمن فيهم نفسي-، سأكون قد تغيّرت مجددًا.. وسأظل أبحث عن إجابات لا تروي أحدًا. فلمٓ العناء؟
تعلّمتُ من معاركي الداخلية أن أتقبل التغيير الذي يحصل كضريبة الحياة، وأنني إن قاومت كل تغيير من أوّله لجهلتُ العديد من المعاني..
أن أصابع الاتهام تكاد تكون أكثر من عشرة في كلّ يد، أما الإطارات التي يصنعها البشر ليحددوا داخلها حجم قامتك قد لا تكفي لبقاء رأسك في الصورة.
تعلمتُ أخيرًا أنني قد أندم مستقبلًا على بعض ما تغيّر بي، وأنني قد أعود لحالاتٍ كنت عليها قبل تغيّري، وهنا بالذات معجزة أخرى للتغيير، أنه دائمًا لا يبخل عن منحي تذكرة عودة لمحطة سابقة.

“مرحبًا بالتغيير، ما دمنا لن نقف على الرصيف إلى الأبد”