هذَر.

أشياءٌ كثيرة تدفعني للكتابة، ولكن لا شيء منها يدفعني إلى كتابة هذه التدوينة. ربّما لأنه تشقّ علينا الكتابة من أجل الدوافع التي تعنينا، لأنه كما يقول حجي جابر “لا توجد كتابة سهلة مريحة للأعصاب”. لكن الهذر وحده لا يعني شيئًا سوى حاجةٍ لا تُقضى، الهذر أيضًا لا يعني أحدًا من الناس بما في ذلك صاحب الهذر نفسه..

ربما أهذرُ لأنني أريد أن أشعر بأنني لا زلت قادرةً على التعبير ولو كانت قدرةً أقل من قبل. ربما لأنني أحنّ إلى مشاكسة الكلمات.. أو ربّما السبب لا يتعلّق بي من الأساس، ربما الأمر كما يصفه بعض مهووسي الميتافيزيقيا، مجرّد عملية تلقائية متزامنة تحدث لأنّ عقلًا متخاطرًا مع عقلي قررّ أن يهذر، فعلّقني معه في هذه المهمة الصعبة.. لم أكن يومًا محبة للميتافيزيقيا، لا أثق بمن يدّعي قدرته على التخاطر ولا أكترث كثيرًا بالسؤال عن برج شخص أقترب منه لأول مرة، ولكنني لا أجد ضررًا في قبول أيّ فكرة في هذا العالم، ما دمت لن أتعدى حدود هذا القبول إلى مرحلة الإيمان..

كنت أقول أن الهذر مهمة صعبة، مع أنني في مقدمة التدوينة ذكرت أنه لا يعني شيئًا.. لكن صعوبته تكمن في الحذر من أن نقع في فخ الكلمات حين يجرّ بعضها بعضًا، فيتكوّن المعنى من اللا معنى، ويصبح ما كان هذرًا خالصًا أمرًا ذا قيمةٍ قابلًا للحكم عليه، وأنت في الحقيقة لم تبنِ دفاعاتك قبل البدء في أمر خطير كتكوين المعاني، لم تختر كلماتك بعناية لكي تتفادى الأحكام، لم تتربّص بكلماتك خشية اتّهام القارئ، هنا لن يفيد اعتذارك المتكرر ولن يكفي تبريرك بأن الأمر كله مجرد هذر، لا يمكنك قتل المعنى ببساطة بعد خلقه للأسف.

كيف لي أن أتفادى هذا الخطر؟ ربما بالتنقل العشوائي من فكرةٍ إلى أخرى دون الاستفاضة بالحديث عن واحدة منها؟  ولكن وإن تمكنّا من خداع القارئ وجعله يتوهّم أن أفكارنا التي نهذي بها لا ترتبط ببعضها بأي شكل من الأشكال، هل سنتمكن من خداع أنفسنا؟ هل سنتجاهل ذلك الرابط الخفي الذي يتنقل بنا بين أفكار لا معنى لها، الرابط الذي سيكشف لنا عن بعض أسرارنا التي لا نبوح بها أمام أنفسنا؟ وهل سنتمكن حينها من سد الثغور في أسوار ذواتنا، قبل أن ينفذ من خلالها ذلك الجلد المقيت للذات؟

لقد وقعتُ في الفخ مجددًا، استفضت أكثر مما ينبغي في الحديث عن تفادي الحديث عن فكرة واحدة ذات معنى، دون أن أشعر بنفسي وقد كوّنت معنىً من الهذر المفترض، والآن لا أعلم إن كنت سأتمكن من الإجابة عن أسئلتي الأخيرة أمام نفسي بعد أن تعرّت أمامي بعضُ مخاوفي..

ربّما في الحقيقة لا يوجد شيء في العالم اسمه هذر، أو ربّما علي أن أعدل مقدمة تدوينتي، ربما قد يعني الهذر شيئًا، على الأقل عند صاحب الهذر نفسه.

 

Advertisements

سخطٌ لا معنى له.

حوار مترجم بيني وبين أستاذ اللغة الانجليزية:

– عليك أن تفهمي كيف يفكر العقل الغربي، القارئ الغربي يتوقع منك عند كتابتك لأي فقرة أن تبدئي بالفكرة الرئيسية، ثم تقومين بشرح هذه الفكرة وطرح الأمثلة، بعد ذلك تعاودين طرح الفكرة الرئيسية نفسها لتعيدي تركيزه عليها. عندما تختتمين بالتفاصيل دون إعادة الفكرة العامة فإن ذلك قد يسبب تشويشًا للقارئ الغربي وقد لا يعلم عن أي أمر تتحدثين.

– طيب

– أمر آخر وهي قاعدة KISS للكتابة باللغة الانجليزية: keep it stupid simple ، تصوري دائمًا عند كتابتك بأن القارئ مغفل وعليك أن تبسطي عباراتك وتفصلي فيها قدر المستطاع، لا بأس بتكرار المعنى أكثر من مرة في ذات السطر بعبارات مختلفة، حافظي على البساطة والمباشرة في أسلوبك.

– داخل نفسي أقول؛ لو أستاذي يعرف يقرأ عربي ايش حيقول لما يقرأ كتبنا؟

تذكرت علاقة التربص والتوجس بين القارئ العربي والكاتب الي ذكرها المشوح في عرضه الختامي على أقرأ، تذكرت بثينة العيسى حين قالت في دورتها للكتابة: دائمًا عليك أن تتوقع تفوق القارئ عليك، تذكرت الجاحظ حين يداهن القارئ ليستميله إلى صفه ويخشى دائمًا من أحكامه، تذكرت أن مناهج اللغة العربية الجديدة في المدارس تحاول أن تطبق ذات القواعد الغربية الحمقاء على دارسي اللغة، أفكار رئيسية وأفكار ثانوية وهبل لا ينتهي.. لم تكن اللغة العربية تقبل هذه القيود عليها ولم يكن القارئ العربي في حاجة لأن تقدم له الطبخة جاهزة.. تذكرت كل هذا وأكثر في أجزاء من الثانية، ثم ابتسمت وقلت: ثانك يو.