أعجب وأعجب!

قبل رحلتها إلى بلاد العجائب، قالت أليس: “لو كانَ لي أن أصنع عالمًا، سأجعل كل شيء فيه يبدو لا منطقيًا!”

تلك الأمنية جرت أليس خلف الأرنب، لتسقط في جُحر الخيال ..

هل كان خيال أليس دافعًا للهرب إلى عالمٍ جديد، أمّ أن عالمًا مكبلًا بالقيود كان هو الدافع للفرار إلى الخيال؟!

نحن لا نعلم الكثير عن دوافع التخيّل لدينا، لكننا بالتأكيد قد اختبرنا العديد من المواقف التي وضعت في أذهاننا صورةً مُهمّشة للأعمال الخيالية وكأنها مضيعة للوقت.

ربما تكون قد تعرضتّ إلى نظرة جانبية تعرف معناها جيّدًا حين ذكرت اسم رواية للإجابة عن اسم كتاب قد أثّر فيك.

وقد لا تحب أن تفشي سر مشاهدتك للرسوم المتحركة عندما يسألك أحدهم عن وسائل تمضية وقتك.

ربما على العكس، تكون أنت من قد أنّب صديقه البارحة لأنه ضيع إجازته يلعب النسخة الأخيرة من “الخيال الأخير” بدلًا من قضائها في شيء أكثر فائدة!

وما الفائدة المرجوة التي تدفعنا إلى خلق شخصية جديدة أو صنع عالم من العدم أو اختلاق زمان غير موجود؟

عودةً إلى الوراء… لقد كانت الخيالات منذ القدم وسيلتنا في التبرير لوقائع الأحداث التي لا نفهمها. فجاءت الأساطير حلًا بدائيًا لأسئلتنا حول طبيعة هذا العالم المجهول .. كانت عربة الشّمس التي يقودها أبوللو في السماء تفسيرًا لشروق الشمس وغروبها عند الإغريق. وعند الاسكندنافيين فإن السماء تُمطر حين يقرع تور مطرقته وتنطلق الصواعق على إثر طرقاتها الغاضبة، وحين ينقطع المطر فذلك لأن الجبابرة قد احتجزوا مطرقة تور في جوتنهيمن، ويجسّد الصراع هنا بين الآلهة إدراكنا الأولي للتوازن بين الخير والشر في العالم..

والسؤال هل نختلف عن أسلافنا في دوافعنا؟

ألا تعدو دراسة شخصيات وهميّة تحت تأثير أحداث ابتكرناها محاولة منا للإجابة عن الأسئلة حول طبيعة الإنسان والكون؟

إن كان الخيال يبحث عن أجوبة، فإن المفارقة تكمن في أنه يطرح المزيد من الأسئلة!

إنه يدفعنا إلى التساؤل حول تقدّمنا البشري وفق معطيات الحاضر.

إن مركبةً تسير تحت سطح البحر في رواية “عشرون ألف فرسخًا تحت الماء” كانت إلهامًا لاختراع الغواصة بعد أربعين عامًا.

وشغفتنا الروبوتات الذكية والأجهزة اللاسلكية في سلسلة أفلام “حرب النجوم” لتصنع فرقًا في تصوّر الإنسان لتقنيته في المستقبل.

من جانب آخر.. كانت الحيوانات تقف على مسرح رواية “مزرعة الحيوان” لتمثّل أدوارنا في قصة ثورة العبيد التي لم تنته إلا بالمزيد من الاستعباد.. قصةٌ لو تأملناها، لوجدنا أنها ليست غريبة عنا تمامًا.

شخصية “الأخ الأكبر” في الرواية الشهيرة “1984” ظلّت تُراقب أفكارنا وتأسر وعينا في صورتها المطلقة للسلطة التي تصادر حرية التفكير وتعرينا من كل شيء، حتى من إنسانيتنا.

كل هذه التساؤلات التي تطرحها خيالاتنا، قد تُحفزّنا وقد تُحذرنا.. كما تُسلينا.

وهنا ستعود لتسأل.. أيتخيّل الإنسان  ليفرّ من واقعه، أم ليواجهه؟

شخصيّته التي ابتكرها، هل يتركُ فيها إرثًا حاضرًا من روحه، أم يصنعُ منها الكيان الذي أخفقَ في أن يكونه؟

إنه يتخيّل..

يتخيّل، لأنه يؤمن أن مأساة شعب على مرّ قرن من الزمان، يمكن أن يختزلها في حياة شخصيّة لم تُخلق إلا في خياله.

يتخيّل، لأن طفلًا متمردًا بداخله يرفض أن يقرأ العالم في كتابٍ خالٍ من الصور.

يتخيّل ليكفر عن أخطاء البشر، أو لينزع عنهم أقنعتهم في حفلة التنكر المسماة بالواقع /(حياة؟)..

يتخيّل لأنه كما يقول خورخي بورخيس “إننا بحاجةٍ إلى الخيال كي نواجه الفظاعات التي تفرضها علينا الأشياء”

يتخيّل، لأنه يعلم أن (قارئًا؟) واحدًا على الأقل من كل البشر، سيمتلك الشجاعة ليقتحم عالمه المُسور..

يتخيّل، دون أن يملك بالضرورة سببًا واضحًا سوى علمه، أنه إنما خُلق ليتخيّل.

..

[مشاركتي في مبادرة أقرأ – أرامكو – 2015]

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s